أعمدة

شواء الثلج السوداني: أمة تكاد تحتضر في لهيب الانقسام

 

قبل التحرير الكبير لأجزاء شاسعة من البلاد، ظل العالم الحر يتابع بأسى بالغ مشهد السودان وهو يمضي إلى حرب لا تبقي ولا تذر، مما يفضي إلى تفكك شامل لأمة بأكملها. إنها حالة “شواء الثلج السوداني” حيث تصر جهات عدة على إضرام النار في جسم متجمد، يذوب ببطء ولا ينتج عنه إلا المزيد من الماء المالح والدموع والحسرة والألم.

بدأت الأزمة التي جُمعت خيوطها في الظلام منتهكة سيادة المؤسسة العسكرية، بتطاول قائد الدعم السريع وتواطئه مع جهات شريرة، عُرف فيما بعد أنه تخطيط معد أصلاً، مشعلًا بذلك الشرارة التي أشعلت النار في الهشيم، حوّلت الخرطوم ذات الرمزية إلى ساحة معركة لا ترحم وخراب، وتبعتها الجزيرة الآمنة الوادعة، صرة السودان، وفي دارفور وكردفان.

كان ذلك قبل أن تتمكن القوات النظامية والمقاومة الشعبية وبقية القوات الأخرى المساندة من تحرير الخرطوم والجزيرة وتخوم دارفور وكردفان، ولا تزال القوات تواصل المعارك لاسترداد ما تبقى، وبخاصة فك الحصار نهائيًا عن الفاشر.

اتسعت هوة الانقسام الاجتماعي الذي أحدثه الخونة، وتحولت الولاءات إلى هويات قبلية وجهوية ضيقة، وصل الحال إلى تشكيل حكومة هلامية أُريد بها زعزعة أمن وسلامة السودان، وإرضاء الجهات الراعية والراغبة في تشتيت السودان وشعبه وتحويله إلى “كمونية” بغرض العبث بثرواته ومقدراته وإرثه، وتهجير وإضعاف مواطنيه، وخلق ديموغرافيا جديدة مهاجرة إليه.

وفي ظل هذا المشهد الكارثي، يبدو أن كل الأطراف الفاعلة، والتي تُؤطَّر له داخليًا وخارجيًا، لا تملك خطوط اللعبة، وليس لها خطة حقيقية أصلًا لتسويقها. المجتمع الدولي يراقب ولا يقدم شيئًا يُذكر، ولا يُنصف المواطنين الأبرياء أو يدعم الدولة، وحتى المساعدات الإنسانية المتواضعة تتعطل بسبب القتال. دول الجوار تتصارع على النفوذ، وتغذي الأطراف المتمردة، مما يصب الزيت على النار، بل أطراف سودانية ترى في نفسها المُخلِّص، غير آبهين بالنازحين والقتلى والمصابين.

شواء الثلج السوداني يكرر المأساة ويعيد إخراجها تراجيديًا، فلا حلول سحرية، ما يحدث تدمير ذاتي بطيء وممنهج ومخطط له. إن لم يتم تدارك الأمر بوعي وحكمة، فإن التاريخ سيسجل أن السودان لم يسقط في معركة، بل ذاب من الداخل، ليصبح ذكرى مؤلمة لأمة كانت يومًا ما عظيمة.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى