يسريه محمد الحسن تكتب.. عابد سيد أحمد المبدع الخلاق

كان يوم من أيام شهر يونيو، القائظ طقسه، وكنت وقتها ضمن مجموعة كبيرة للغاية من الزملاء والزميلات بحوش الإذاعة والتلفزيون نفترش الأرض ناحية مكتب تابع للهيئة خارج أسوارها، ننتظر مكافأة قيل لنا إنها صدقت من قبل مدير عام الهيئة آنذاك د. أمين حسن عمر. وكان ذلك بعد طردتنا من الخدمة بالجهازين بحجة إلغاء الوظائف حيث هناك قانون جديد للهيئة لا يستوعبنا!! هكذا كانت حجة أولي الأمر في ذياك الزمان تبريراً لجريمة، مجزرة بحق من أعطوا وقدموا وبذلوا نضارة العمر إبداعاً وتفانياً وخدمةً للسودان العظيم.
كنا جميعاً نجلس وكأن طيور العالم كله تحط فوق رؤوسنا!! ولسان الحال يقول: ما هي جريرتنا؟ وما هو جرمنا الذي ارتكبناه؟ بل ما هو ذاك الذنب العظيم الذي بموجبه أُلقي بنا وبتاريخنا الإبداعي والإعلامي كله على قارعة الطريق؟!!
كنت مثلهم، أفترش الأرض (في جلسة القرفصاء)، وأصبعي على الرمل أمامي يكتب اللا شيء!! أحدق ببصري نحو المبنى العظيم الذي عشقناه جميعاً نحن الذين مُنعنا من دخوله في تلك الأيام السوداء، وبقينا خارج أسواره!! نعم أحدق فيه ويطوف خيالي بجلوسي مع زملائي في مكتب المذيعين وقسم الأخبار، وأنا أهم بمراجعة نشرة التاسعة مساءً مع زملائي: الفاتح الصباغ، عمر الجزلي، عبد الرحمن فؤاد، عوض إبراهيم عوض وآخرين..!
هرب مني طيف خيالي لأعود عقلاً وجسداً ومعنويات صفرية، على صوت هادئ يكلمني! رفعت بصري لأستبين من صاحب هذا الصوت الحنين والهادئ فإذا به أخي العزيز الصحافي النابغة والمدير العام لفضائية الخرطوم، الأستاذ الفخيم عابد سيد أحمد! يا الله! نعم هو عابد، الرجل الفنان والمبدع والإنسان، والصحافي الذي ذاع صيته فملأ الدنيا وشغل الناس. عابد سيد أحمد صديق وأخ وحبيب لكل من عرفه، رجل رقيق القلب، لطيف وجميل التعامل مع الآخرين، فنان ومبدع وخلاق.
كيف لا وقد صنع من تلفزيون الخرطوم – الذي كان وقتها أرضي البث فقط لا يُشاهد حتى خارج حدود ولاية الخرطوم – ومن العدم، بلا ميزانيات (وكلنا نعرف كم من الأموال الباهظة تكلف تلك الصناعة)!! بموازنة التلفزيون الشحيحة للغاية في ذلك الزمان، استطاع الأستاذ عابد أن يصنع فضائية الخرطوم، التي غطى إرسالها كل ولايات السودان، وخارطة برامجها القوية والهادفة جعلت منها المنافس الأخطر لتلفزيون السودان. فقد حق عليه المثل القائل: “صنع من فسيخ الإمكانات الهزيلة شربات فرح” هادف ومثمر!
استقطب عابد وقتها لفضائيته كوادر مؤهلة، وهكذا يصنع الرجال النجاح. قال لي عابد وهو واقف أمامي في تلك اللحظات كلاماً كثيراً جلّه مواساة لي ولزملائي وتخفيفاً عما أصابنا. مفاده: “سيدتي، أريدك معي في فضائية الخرطوم”.
عقد عابد اجتماعاً دعا فيه مديري الإدارات بالفضائية، في جلسة رحب فيها بي والمخرج الكبير بدر الدين حسني، والمخرج الرائع عصام الدين الصائغ، وبشر الجميع بانضمام الهرم الإعلامي الكبير د. عمر الجزلي إلى طاقم فضائية الخرطوم. كان الترحيب بنا من قبل العاملين رائعاً وجميلاً، وقدمنا أجمل ما عندنا من برامج ومشاركات في تقديم نشرات الأخبار. وكان لبرامج الجزلي نصيب هائل في ازدياد متابعي القناة ومشاهديها بالداخل والخارج (الله يديك العافية حبيبنا الجزلي).
سار عابد بفضائيته التي صنعها بنفسه من نجاح إلى آخر، وعمرت استوديوهاتها بالأكفاء والمبدعين من كل أنحاء السودان، خلية نحل تبدأ من بزوغ شمس اليوم وحتى فجر اليوم التالي وهكذا…
أذكر أنه ذات صباح، إذا بنا جميعاً – وعابد معنا – نفاجأ بالمجلس التشريعي لحكومة ولاية الخرطوم بكامل هيئته يزور القناة، ويطلبنا كي يتحقق هل نحن نعمل بالفضائية أم هي برامج مسجلة استُلفت من القومي!! هكذا كان حديثهم لي وللصائغ والعظيم الجزلي وآخرين!! أي تقدير هذا وأي اعتراف بنا كفنانين ومبدعين من أعلى جهة تشريعية بولاية الخرطوم؟ بل أي وسام نجاح عظيم يُعلق على صدر الأستاذ عابد سيد أحمد، صانع الجمال والعارف بأقدار الفن والفنانين!
سقت إليك عزيزي القارئ كل هذه المقدمة الطويلة لتتحسر معي على إهمال جهازنا التنفيذي الحالي لكادر كبير و”شاطر” وخلاق ومبدع مثل الأستاذ عابد سيد أحمد. هل تعلمون أنه إلى الآن، وهو ما زال في سلك الخدمة المدنية، رجل بلا مهام؟!
الأستاذ عابد سيد أحمد اسم في حياتنا جميعاً، إعلامي فذ، وصحافي نابغ، ورجل دولة خدم الوطن والمهنة، وحالفه الحظ من نجاح إلى نجاح في كل مرفق تولى إدارته. فيا عزيزي الأستاذ خالد الأعيسر، ما هكذا يكون رد الجميل لرمز من رموزنا الإبداعية والإعلامية.
ويا سعادة رئيس الوزراء د. كامل إدريس، أمثال الأستاذ الكبير عابد سيد أحمد قلائل جداً، والبلد في حاجة شديدة لهم. فهل لبيتم النداء واستجبتم لنا؟
حرام وألف حرام أن يُظلم عابد وهو في قمة عطائه!!!



