
* أصبح المواطن يعاني عند مراجعة المؤسسات الخدمية؛ إذ ترفض بعض الجهات الدفع النقدي، بينما ترفض أخرى الدفع الإلكتروني، الأمر الذي يضع المواطن في حيرة ومعاناة مستمرة، فما ان تدخل مصلحة خدمية حتى تجد لافتة ( كل المعاملات عن طريق الدفع إلالكتروني فقط) وبعض المصالح تضع لافته ( كل المعاملات عن طريق “الكاش” فقط) ولا تقف المعضلة عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل ضياع الوقت والجهد في التنقل بين أصحاب الاكشاك لتبديل كاش مقابل دفع إلكتروني، أو دفع إلكتروني مقابل كاش، بحثا عن وسيلة دفع مقبولة لدى هذه المصلحة أو تلك. وفي ظل هذه الازدواجية يجد المواطن نفسه مجبرا على التكيف مع أنظمة غير موحدة، قد لا تتناسب مع إمكانياته أو ظروفه، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية للدفع الإلكتروني في بعض الأحيان، أو ندرة السيولة النقدية في أحيان أخرى.
* إن غياب ازدواجية الدفع ( إلكتروني/نقدي) في اجراءات الخدمة يعكس خللا إداريا واضحا، ويزيد من معاناة المواطن بدلا من تيسير الخدمات له. فالأصل في هذه المؤسسات أن تُبنى سياساتها على راحة المواطن وتيسير معاملاته، لا تعقيدها. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إتاحة جميع الخيارات أمام المواطن، بما يحقق العدالة والمرونة في تقديم الخدمة.
* إن تحسين تجربة المواطن يبدأ من فهم احتياجاته، والعمل على إزالة العقبات التي تعترض طريقه، فالمؤسسات الخدمية وجدت لخدمته أولا وأخيرا، ولا تقتصر معاناة المواطن على الحيرة بين وسيلتي الدفع، بل تمتد لتخلق شعورا بعدم الاستقرار وفقدان الثقة في الأنظمة الخدمية، فالمواطن البسيط، الذي قد لا يمتلك حسابا مصرفيا أو وسيلة دفع إلكتروني، يجد نفسه مُقصى من بعض الخدمات، بينما يرهق آخرون بمحاولات توفير السيولة النقدية في وقت أصبحت فيه نادرة أو محدودة، كما أن هذا التباين في السياسات ينعكس سلبا على سير الحياة اليومية، ويؤدي إلى تعطيل مصالح الناس، خاصة في الخدمات الضرورية مثل الصحة والتعليم والمعاملات الحكومية. وقد يضطر المواطن إلى تأجيل احتياجاته أو البحث عن وسطاء، ما يفتح الباب ( لممارسات غير سليمة ) تزيد من الأعباء عليه.
* ومن زاوية أخرى، فإن ( تغيب ) جميع وسائل الدفع يُفقد المؤسسات فرصة بناء نظام مالي حديث ومتوازن، يحقق الشفافية ويسهل الرقابة ويحد من الأخطاء. فالتكامل بين الدفع النقدي والإلكتروني ليس رفاهية، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة وتنوع احتياجات المجتمع، ولعل الحل يكمن في تبني رؤية شاملة تلزم المؤسسات بإتاحة جميع وسائل الدفع، مع تحسين البنية التحتية للدفع الإلكتروني، وتوعية المواطنين بكيفية استخدامه، إلى جانب ضمان توفر النقد لمن يحتاجه، كما أن تدريب الموظفين على التعامل المرن مع مختلف الحالات يعد خطوة مهمة في تحسين جودة الخدمة. فالهدف الأسمى هو كرامة المواطن وراحته، فكل لائحة خدمية لا يضع راحة المواطن في مقدمة أولوياتها، هي لائحة تحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
* إن هذه الإشكالية تكشف عن فجوة حقيقية بين إلإدارة واحتياجات المواطن اليومية؛ فحين تُفرض سياسات دون مراعاة الواقع المعيشي، تتحول الخدمة من وسيلة تيسير إلى عبء إضافي. فهناك من يقف لساعات في صفوف طويلة، ليُفاجأ برفض وسيلة الدفع التي يحملها، فيضطر للعودة من حيث أتى، محملا بخيبة أمل وإرهاق مضاعف، كما أن هذا التباين يخلق نوعا من عدم العدالة بين المواطنين؛ فمن يمتلك الوسيلة أو ( العلاقات ) التي تسهل له الإجراءات، يحصل على الخدمة بسهولة، بينما يترك الآخرون لمواجهة التعقيدات، وهذا يتنافى مع مبدأ تكافؤ الفرص الذي ينبغي أن تقوم عليه الخدمات العامة، ومن جانب آخر، فإن غياب الوضوح في سياسات الدفع يربك حتى الموظفين داخل المؤسسات نفسها، فتتعدد التفسيرات وتختلف الإجراءات من مكان لآخر، مما يؤدي إلى مزيد من الفوضى وسوء الفهم بين مقدم الخدمة ومتلقيها.
* إن الحل لا يقتصر فقط على توفير وسائل الدفع المختلفة، بل يتطلب أيضا وضوحا في السياسات، وإعلانها بشكل صريح للمواطنين، عبر اللوحات الإرشادية ووسائل الإعلام، حتى لا يفاجأ أحد عند وصوله، كما أن استخدام التقنيات الحديثة يجب أن يكون تدريجيا ومدروسا، بحيث لا تقصي فئة على حساب أخرى، وفي نهاية المطاف، فإن بناء منظومة خدمية ناجحة لا يتحقق إلا عندما يشعر المواطن بأن وقته مقدر، وكرامته مصونة، وأن المؤسسات وُجدت لتيسير حياته لا لتعقيدها، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الاستماع لصوت المواطن، وتحويل معاناته إلى قرارات.
* وفي خضم هذا التباين الذي تعيشه بعض المؤسسات، تبرز نماذج مضيئة تحتذى، حيث تحرص بعض الجهات على مراعاة احتياجات المواطن وتيسير معاملاته، ومن المؤسسات مؤسسة البصر ( مستشفيات مكة ) توفر خياري الدفع النقدي والإلكتروني معا، في خطوة تعكس وعيا حقيقيا بأهمية المرونة وخدمة جميع فئات المجتمع دون استثناء.
* إن هذا النهج لا يخفف فقط من معاناة المواطنين، بل يعزز الثقة بين المؤسسة ومتلقي الخدمة، ويجعلها نموذجا يحتذى به في كيفية تقديم خدمات إنسانية راقية تراعي ظروف الجميع، فإتاحة الخيارات ليست مجرد إجراء إداري، بل رسالة تقدير واحترام لاحتياجات الناس وتباين ظروفهم.
* فمستشفي مكة نموذجا يحتذى به، بإتاحتها خياري الدفع النقدي والإلكتروني، تأكيدا لالتزامها بتيسير الخدمة واحترام احتياجات جميع المواطنين، فإن إتاحة خياري الدفع النقدي والإلكتروني في هذه المؤسسة لا يعد مجرد إجراء تنظيمي، بل هو انعكاس لرؤية إنسانية واعية تضع المواطن في قلب الاهتمام، فهذه الخطوة تُراعي اختلاف الظروف الاقتصادية والتقنية بين الناس، وتؤكد أن الخدمة الحقيقية هي التي تصل إلى الجميع دون عوائق أو تمييز.
* كما أن هذا النهج يعكس احترافية إدارية عالية، حيث يوازن بين مواكبة التطور التقني من جهة، والحفاظ على شمولية الخدمة من جهة أخرى. فالدفع الإلكتروني يوفر السرعة والشفافية، بينما يظل الدفع النقدي خيارا ضروريا لفئات واسعة من المجتمع، خاصة في البيئات التي لا تزال تواجه تحديات في البنية التحتية الرقمية، ومن جانب آخر، فإن هذه المرونة تسهم في تقليل الازدحام، وتسريع الإجراءات، وتحسين تجربة المراجعين بشكل عام، مما ينعكس إيجابا على سمعة المؤسسة ويعزز ثقة المجتمع بها، فالمواطن عندما يجد خيارات ميسّرة وواضحة، يشعر بالاحترام والتقدير، ويصبح أكثر رضا وتعاونا.
* إن ما تقوم به مستشفى مكة ينبغي أن يكون نموذجا يحتذى به لدى بقية المؤسسات الخدمية، فالتيسير على الناس ليس خيارا ثانويا، بل هو جوهر العمل المؤسسي الناجح. وكل مؤسسة تسعى للتميز الحقيقي، عليها أن تبدأ من حيث انتهت معاناة المواطن، وحين تتاح الخيارات، تصان كرامة المواطن، وهذا ما تجسده مؤسسة البصر ( مستشفيات مكة ) في واقعها العملي.



