ترنيمة النقاء الصعب

ها نحن نعودُ لننسج من الصمت صرخة، ومن رقة الندى درعاً في وجه الريح الصرصر. يا سادة الحرف وقرّاء “ريثما” الأوفياء، إننا اليوم لا نكتبُ حبراً على ورق، بل ننكأُ جرحاً كونياً بمرودٍ من نور. فما أصعب أن تُطلّ بقلبٍ “ينقطُ” طيبةً، كأنه قنديلٌ عتيق يحملُ زيتَ الصفاء، في أزقةٍ باتت تعجُّ بـ “وحوشٍ بشرية” لا تُتقن سوى لغة النهش وبعثرة الأماني. هي مجادعةٌ بين السكينة والسكين، بين من يزرع الحلم في سبخة اللؤم، ومن يحصد الريح في بيادر الغدر. إنها معركةُ “السهل الممتنع”؛ حيث تصبح الطيبةُ تكتيكاً فائق الذكاء، لا سذاجةً عابرة. فمن قال إن الليونة ضعف؟ إن الماء وهو ألطف الكائنات، يهدُّ أعتى الجبال بصبره الجميل. نحن هنا لا نستعرضُ بياضنا في وجه سوادهم لننال الشفقة، بل لنؤكد ريادتنا في مدرسة الإنسانية السامقة، حيث لا تزيدنا الأنياب إلا تأنقاً في الرد، ولا يضاعف جحودهم فينا إلا فيضاً من “تكنكل” الروح الذي يعجزون عن فك شفراته.
تعالوا نطوِ مسافات الجفاء ببيانٍ يقطرُ سحراً، ونفتحُ شهية العقول التي أرهقها ضجيج الوحوش، لنقول لهم: إن في جعبة الطيبين سراً لا يدركه من أدمن التوحش، وهو أن “الريادة” الحقيقية ليست في غلبة العضلات، بل في صمود تلك النبضة التي تأبى أن تتلوث، وفي ذلك الحرف الرصين الذي يخاطب النخب بوقاره، والبسطاء بصدقه، ليظل عمودنا هذا منارةً تجذب الفراشات، وتحرقُ أوهام الظلام في آنٍ واحد. فيا أيها المتوحشُ في غابِ الأثر، رويدك؛ فما ليني إلا انحناءة السيف صيانةً لحده، وما طيبي إلا فيضُ نبعٍ يستعصي على الكدر. أتظنُّ أن نبضَ الوداد فينا غفلة؟ كذب ظنُّك، بل هو “تكنكلُ” الترفعِ حين تضيقُ بك السبل. نحنُ نسيلُ عذوبةً لنغسلَ أدرانَ القسوة، ونُقطرُ شهداً في حلوقٍ أدمنت طعمَ العلقم، لا هواناً ولا استجداءً، بل هي “ريادةُ” الروح التي تطوي مسافات الجهل بوهج اليقين. فسلامٌ على قلبٍ ينضحُ طيباً، وهو يدركُ تماماً أين يضعُ نصلَ حرفه، وكيف يُلجمُ بمروءتهِ عواءَ المستوحشين.



