مقالات

أم القرى بين احتكار القرار وغياب الشراكة

كتب: ياسر أبو ريدة

 

في المجتمعات الحيّة، لا تُقاس قوة القيادة بمدى إحكام قبضتها على القرار، بل بقدرتها على الاستماع، وفتح الأبواب أمام الجميع، وإشراك الناس في صناعة مستقبلهم. وحين تضيق دوائر النقاش، وتُحتكر القرارات داخل نطاق محدود، تبدأ المؤسسات في فقدان روحها، ويتحوّل العمل العام من مسؤولية جماعية إلى ما يشبه الملكية الخاصة، مهما اختلفت الشعارات والعناوين.

ما يحدث اليوم في محلية أم القرى يدعو فعلًا إلى التوقف والمراجعة الجادة. فالمشهد تجاوز حدود الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر، ليصبح شعورًا متزايدًا لدى قطاعات واسعة من المواطنين بأن مفاصل المحلية تُدار داخل دائرة ضيقة، تكاد تنحصر في مجموعة محددة أو أسرة واحدة، تتحكم في ملفات الصحة والتعليم والزراعة والأمن والشأن الاجتماعي، وحتى المبادرات الأهلية والمساعي الحميدة.

الأزمة الحقيقية ليست في الأشخاص بقدر ما هي في الفكرة نفسها؛ فكرة احتكار المجال العام، وإقصاء الكفاءات، وإدارة المحلية بعقلية “الشلليات” والمحاور الضيقة، حتى أصبح الناس يتحدثون عن “مجموعة أحمد” و”منظومة حاج أحمد” وكأن المحلية تحوّلت إلى ساحة نفوذ، لا إلى مؤسسة يفترض أن تتسع للجميع.

هذا الواقع أضعف روح المشاركة، وخلق حالة من الإحباط وسط كثير من أصحاب الخبرات والرموز والقيادات المجتمعية، الذين ظلوا قريبين من هموم الناس وتفاصيل الواقع، يقرأون المشهد بوعي ومسؤولية، لكنهم وجدوا أنفسهم على الهامش، بينما تُدار القضايا المصيرية عبر ذات المنظومة، وذات الوجوه، وذات العقلية التي لا ترى أبعد من دائرتها الضيقة.

المحليات لا تُبنى بالعلاقات الخاصة، ولا تُدار بمنطق النفوذ أو احتكار القرار، وإنما تقوم على الشورى، والتنوع، والاستفادة من كل العقول والكفاءات داخل المجتمع. فكلما ضاقت دائرة القرار، اتسعت دائرة التذمر، وكلما غاب الحوار الحقيقي، تراجعت الثقة بين المواطن والقيادة.

إن أكبر أزمة تواجه أي مجتمع ليست قلة الموارد، بل غياب التواصل الصادق والشفافية. ولذلك، أصبح من الضروري أن تعود جسور الحوار بين القيادة والمجتمع، وأن تنزل القيادات من “الأبراج العاجية” إلى أرض الواقع، حيث معاناة الناس الحقيقية وأسئلتهم التي تنتظر إجابات واضحة، لا مزيدًا من الصمت أو إعادة تدوير ذات التجارب القديمة.

فالمرحلة اليوم لا تحتمل المزيد من الانغلاق، ولا إعادة إنتاج الأساليب التي أوصلت المحلية إلى هذا الاحتقان. لأن المجتمعات التي لا تُجدّد أدواتها في الإدارة والتواصل، تظل تدور في ذات الحلقة مهما تغيّرت العناوين.

أم القرى ليست إرثًا خاصًا، ولا ساحة مغلقة لفئة بعينها، بل مسؤولية عامة وأمانة مشتركة، لا يمكن أن تنهض إلا عندما يشعر الجميع أنهم شركاء في القرار، لا مجرد متفرجين عليه.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى