الصين وحمير أفريقيا

قد يظن القارئ فيما جاء في كتابي بعنوان غريب ومثير القصد منه الإشارة لحكام بعض الدول الأفريقية الذين غاصوا في العمالة والارتزاق، وباعوا أوطانهم ببضع دولارات أو دراهم ملطخة بدماء شعوبهم، غير أن الأمر أخذته دولة الصين ضمن اقتصادها القوي. الآن اتجهت الصين لشراء “الحمير” من أفريقيا بسبب زيادة الطلب على منتج “إيجياو”، وهو جيلاتين مُشتق من جلد “الحمير”، ويُعد مكوِّنًا رئيسيًا في الطب الصيني التقليدي. هذا الطلب المتزايد أدى إلى انخفاض عدد “الحمير” في الصين من (12) مليون “حمار” في تسعينيات القرن الماضي إلى أقل من (3) ملايين عام 2023م، فعرفت الصين الطريق إلى أفريقيا.
فتضاعفت أسعار الحمير (3) مرات في بعض الدول الأفريقية، حيث ارتفعت من (35–40) دولارًا إلى (120–145) دولارًا للرأس الواحد (حمار)، مما أدى ذلك إلى انخفاض عدد الحمير “أكرمكم الله” في بعض الدول الأفريقية، مثل كينيا وبوتسوانا، بسبب الذبح المفرط الجائر. وكانت تعتمد المجتمعات الريفية في أفريقيا على الحمير للزراعة والنقل، مما يجعل انخفاض عددها يؤثر على سبل عيش الأسر، كما ازدادت حالات تهريب الحمير عبر الحدود في أفريقيا بسبب الطلب المتزايد عليها. فاتخذت بعض الدول الأفريقية إجراءات حظرت تصدير الحمير، مثل إثيوبيا وساحل العاج وتنزانيا، كما عملت أخرى على تنظيم تجارة الحمير وتوفير الحماية لها.
فاتجاه دولة الصين لأفريقيا ذو طابع اقتصادي، إذ إن مادة (إيجياو) هي جيلاتين مشتق من جلد الحمير، وتُستخدم في الطب الصيني التقليدي. تُعتبر مادة (إيجياو) من المواد النادرة والغالية في الصين، وتُستخدم في علاج مجموعة متنوعة من الأمراض، بما في ذلك تقوية الصحة العامة وتحسين وظائف الجسم، ولعلاج النزيف والوقاية منه، ولتحسين الخصوبة والقدرة الجنسية. كما تُستخدم المادة لصحة البشرة وتقليل التجاعيد وفي صناعة منتجات التجميل والعناية بالبشرة، مثل الكريمات والمرطبات والصابون. ومع ذلك، فإن استخدام مادة (إيجياو) أثار جدلًا واسعًا بسبب تأثيره على “الحمير” نتيجة للتهريب بين الدول والسرقة في بعض المجتمعات الأفريقية، فزاد من معاناة الأسر الفقيرة التي تعتمد على “الحمير” في النقل والزراعة. وإذا قرأنا لماذا اتجهت دولة الصين لأفريقيا من دون الدول الأخرى، نجد أن الدول الأفريقية لا تنظر لهذا الحيوان الصبور (الحمار) من منظور اقتصادي، قائلة: “ما حمار وبس”، وهي لا تعلم أن دولة الصين تنظر إليه من منظار اقتصادي قد يقلب الموازين “فوق تحت”. أما نحن فنصدر ونهرب إناث الإبل والضأن، وربما تدور بنا الدائرة ويكون لنا من جلد الحمير مورد اقتصادي رافد للخزينة العامة تحت مسمى “بند الحمير” بديلاً للقطن والصمغ العربي وغيره.. الله يستر… ما كفانا.
(خمة نفس). ولاية الجزيرة تسعى لحصر وترحيل الوجود الأجنبي من “دولة الجنوب”. فماذا عن الدول الأخرى وظاهرة الشحدة والتسول المنظم ومهنة تقليم ونظافة الأظافر بالقرب من الملجة؟ “انتوا شفتوا حاجة؟ اقعدوا في المكاتب، لا من شاف ولا من سمع.”




