بين الطبيب الإنسان والطبيب المسخ.. مفارقة الضمير والدم

في عالم تتقاطع فيه الإنسانية مع المهنة، يظل الطبيب هو خط الدفاع الأول عن الحياة، ورمز الرحمة في زمن القسوة.
ومن بين النماذج التي تُعيد الأمل في شرف المهنة، يبرز اسم الدكتور جمال الطيب، الطبيب السوداني الذي نال جائزة أورورا العالمية تقديراً لعطائه الإنساني وجهوده في علاج ضحايا النزاعات والحروب، في ظروف بالغة الصعوبة وموارد محدودة، لكنه ظلّ وفياً لقَسَمه الإنساني، مؤمناً بأن واجبه تجاه الإنسان لا تحدّه حدود ولا يُقيده انتماء.
هذا النموذج المشرق يُثبت أن الطبيب يمكن أن يكون جسراً بين الألم والأمل، وأن مهنة الطب لا تُقاس بما يُكتب على اللافتات، بل بما يُقدَّم في الميدان من تضحية وصبر وموقف.
فجمال الطيب، بما أنجزه من أعمال إنسانية، جسّد المعنى الحقيقي لعبارة “الطب رسالة”، وذكّر الجميع بأن العطاء لا يحتاج إلا إلى ضمير حيّ.
لكن في الضفة الأخرى من المشهد، يقف علاء الدين نقد، نقيض الصورة: طبيبٌ اختار أن يُسخّر علمه ومنبره في الاتجاه المعاكس، فابتعد عن مبادئ الطب وانحاز إلى خطاب المليشيا بل اصبح لسانها الناطق باسمها ، يُبرّر القتل ويتجاهل صرخات الضحايا ومأسي النازحين والمغتصبات، وكأن الإنسانية تلاشت تحت وطأة المواقف السياسية والمكاسب اللحظية.
ذلك النوع من الأطباء، حين يبيع ضميره للشيطان ، لا يُسيء لنفسه فحسب، بل يجرح ضمير المهنة بأكملها، ويهدم جدار الثقة بين الطبيب والمجتمع.
المفارقة المؤلمة أن كلاهما يحمل لقب “دكتور”، لكنّ أحدهما يُداوي الجراح، والآخر يُعمّقها بالكلمة.
الأول يخرج إلى الميدان لينقذ الأرواح، والثاني يقف أمام الكاميرا ليُبرّر سقوطها.
الأول يكتب تاريخه في سجل الشرف، والثاني في سجل العار.
في بلد مثل السودان، المثخن بالنزاعات والمآسي، يحتاج الناس إلى أطباء يرمّمون ما تهدّم من إنسانيتنا، لا أولئك الذين يبررون إهدارها.
فالطب ليس حياداً بين الجريمة والضحية، وليس مساحة رمادية بين الحق والباطل، بل هو موقفٌ أخلاقي قبل أن يكون علمًا.
الطبيب الحقيقي هو الذي يصون القسم حتى عندما تضيع البوصلة من حوله، وهو الذي يختار أن يكون إلى جانب الحياة مهما اشتدّ الضجيج.
أما من يختار طريقًا آخر، فيفقد شرف المهنة وإن بقي يحمل لقبها.
فالضمير، في نهاية المطاف، هو الفارق بين الطبيب الإنسان والطبيب المسخ.
والتاريخ، كما العيون التي شهدت المآسي، لا ينسى من أنقذ، ولا يغفر لمن رقص على جراح الوطن.


