مقالات

د. عثمان أبوزيد يكتب.. ما أشبه الليلة بالبارحة

ينتشر بيننا هذه الأيام كتاب البروفيسور محمود ممداني من أمريكا؛ دارفور منقذون وناجون. والسبب في عودة الكتاب للظهور هو فوز ابنه زهران ممداني عمدة لنيويورك. والخبر بمثابة القنبلة لأن مهاجرًا ومسلمًا يفوز بنيويورك لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

ممداني الأب تكلم بوضوح قبل الاستفتاء على انفصال الجنوب أن الجنوب سيقرر مصيره بالانفصال حتمًا. وفي تلك الأيام نشرتُ مقالا في جريدة “الأخبار”، بعنوان: هل دنت ساعة الحقيقة؟
أعيد نشر ذلك المقال الذي يصف مشاهد مستمرة، وإن يتغير المسرح وتتغير الشخصيات…

هل دنت ساعة الحقيقة؟
عثمان أبوزيد

قال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة في تصريح لقناة الشروق يوم الاثنين الماضي 20 مايو 2013، إن ساعة الحقيقة قد دنت، مشيراً إلى العمليات العسكرية التي تدور رحاها الآن مع متمردي قطاع الشمال والحركات المسلحة.

ساعة الحقيقة، تعبير مأخوذ من لعبة مصارعة الثيران المعروفة في إسبانيا، وتعني اللحظة التي يتمكن فيها المصارع من الثور ليسقطه فيقتله.

لا شك أن الجميع يتطلعون إلى هذه الساعة التي يرون فيها نهاية الفتنة ومعاناة المواطنين قتلاً ونزوحاً ونقصاً من الأموال والأنفس والثمرات. ويترقب الجميع ساعة انتهاء هذا التمرد الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية للناس منذ أكثر من خمسين عاماً.

في كل بلاد الدنيا، يسقط السياسيون والمقاتلون، فيموتون أو ينسحبون من الملعب، إلا في بلادنا هذه، فإن المنهزمين والساقطين يرتفع قدرهم، ويبزغون من رمادهم مرة أخرى كما في أسطورة طائر الفينيق.
والسبب في ذلك أنهم لا يمثلون أنفسهم ولا يمثلون أحداً في الشعب. ما هم إلا أدوات للقوى الدولية وامتداد للمتربصين بالوطن. هل لاحظتم عندما كانت الحدود التشادية ساخنة، كيف أن كل اتفاق بين رئيسي البلدين تشاد والسودان كان يعقبه على الفور اختراق أمني مؤثر يعيد الأجواء للتوتر من جديد. نفس الشيء كان في الجبهة الشرقية مع إريتريا وأثيوبيا. واليوم في الجبهة الجنوبية، كل ما حدث اتفاق أو زيارة ودية أو شيء من ذلك، جاء بعده اعتداء سافر.

حماة الأمن القومي يعرفون هذا وأكثر منه. أما أمثالنا ممن يحاولون الفهم من القرائن والأحوال، فحسبهم الرصد والمتابعة والتحليل.

ومن المتابعة والتحليل، أمكن لكل ذي عينين أن يبصر أن المعركة ليست مع هؤلاء المتمردين، فهم مجرد أحجار على رقعة الشطرنج، ولم يكن التفاوض في يوم من الأيام مع هؤلاء، فهم حفنة ممثلين للجهات التي تمدهم وتدفع بهم.

لقد تحدّث المسؤولون عندنا بوضوح في الأيام الأخيرة أن للقوى الدولية إستراتيجية ثابتة، هي إضعاف السودان والسعي إلى تفتيته بتأجيج الصراعات الداخلية. إنها إستراتيجية تضبط سلوك المتمردين والخوارج على هدف واحد هو مواصلة القتال، فكل خطوة يخطونها هي جزء من هذه الإستراتيجية بما في ذلك مسعاهم للتفاوض.

لا تصدّقوهم إن قالوا شيئاً غير ذلك.
وما تزال القوى الدولية تلوّح للمتمردين باستغلال المصاعب المعيشية التي كانوا هم سبباً مباشرًا فيها بإيقاف تصدير النفط، وتحرّضهم على إشعال ثورة ربيع على غرار تونس وليبيا ومصر. وعبّر عن هذا بجرأة لا مثيل لها الأمريكي جون برندر غاست مؤسس حركة (كفاية) في يوليو 2011م عندما حثّ بلاده على انتهاز الفرصة التي يوفرها الربيع العربي للإطاحة بالنظام السوداني.

إن الدعم الذي تجده الحركة الشعبية من مجموعات الضغط واللوبيات، جزءٌ من رؤية هذه المجموعات أن قطاع الشمال بتوجهه وخطابه العلماني هو الذراع التي يجب أن تجد الرعاية وبناء القوة لتكون البديل.
أما إسرائيل فأهدافها واضحة عبّر عنها في سبتمبر 2008م مسؤول في الأمن الداخلي عندما قال إنهم لن يسمحوا أن يصبح السودان دولة إقليمية قوية أو أن يستمر عمقًا إستراتيجيا لمصر كما تجلى ذلك في عام (1967م). وقال: إن إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية، جزء من خطة الأمن القومي الإسرائيلي، ولذلك أقدمنا على تصعيد الحرب في دارفور.

وأوضح الرئيس السابق للمخابرات العسكرية في إسرائيل ما قاموا به خلال السنوات الماضية من مهام أوكلت إليهم … “نظمنا خط إمداد السلاح للقوى الانفصالية، وقمنا بأعمال لوجستية وتدريبية ونشرنا في الجنوب ودارفور شبكات قادرة على الاستمرار بالعمل هناك إلى ما لا نهاية”.

ويعجب المرء بعد هذا لمواقف قصيري النظر من أتباع بعض الأحزاب الذين يعلنون ولاءهم للتمرد ويسكتون على ذبح الأبرياء وإخراج الناس من ديارهم وأهليهم وتدمير منشآت المياه والكهرباء!
أي غفلة هذا؟ وأي ضلال؟!

سوف تنتهي هذه المعركة بانتصار مستحق للشعب السوداني وقواته المسلحة، ولكن لن تنتهي الحرب، لأن الإستراتيجية الثابتة أن تستمر القلاقل والاضطرابات. وإذا ضعف التمرد عسكرياً، فسوف يشعل الحرب في جبهات أخرى اقتصادية وسياسية واجتماعية. عندما ضعفوا عقب انتصارات صيف العبور، لجأوا إلى داخل العاصمة ليدبروا حرائق للمنشآت، ولما فشلوا في ذلك بادروا إلى التضييق الاقتصادي، حتى إنهم أرادوا تأخير بهجة الشعب السوداني بتصدير بتروله يوم افتتاح مصفاة بشاير وتصدير أول شحنة من البترول، وكاد يحصل ذلك لولا يقظة حماة الوطن.
المعركة التالية هي معركة الأرزاق والأخلاق، فانتبهوا يا أولى الألباب.

كتبت قبيل انفصال الجنوب مقالاً أعلق فيه على تقرير إحدى المنظمات الكنسية الهولندية صدر في ذلك الوقت، يتصور أربع سيناريوهات للسودان عقب تقرير مصير الجنوب:
السيناريو الأول وهو الراجح: (انفصال + حرب)، الثاني: صوملة، الثالث: (وحدة + حرب)، الرابع: (وحدة + سلام).

سألني أحد قرائي النابهين: لماذا لم يتكلموا عن (انفصال + سلام)؟ ولم أجد إجابة، لكن قارئاً آخر تطوّع بإجابة ذكية: هذه السيناريوهات هي في الواقع خيارات وخطط يسعون إلى تطبيقها، وهي ليست كما قد يتبادر إلى الأذهان استشرافاً للمستقبل … هم علموا يقيناً أن الانفصال قادم لأنهم خططوا له، وعملوا من أجل ألا يكون انفصالاً بسلام.
[وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
الْمَاكِرِين] صدق الله العظيم

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى