لكل مواطن حكاية أو قصة مؤلمة مختلفة عن الآخر

حكايتي عشتها لوحدي بعد أن قررت أسرتي الخروج من ود مدني، إبان دخول المليشيا المتمردة الولاية..
عقارب الساعة لا تدور…. الليل تسمّر في مكانه، أصوات المدافع والذخيرة تُسمع من قريب، النوافذ والأبواب تهتز، كل شيء بات مخيفاً، حركة غير عادية، الكل مشغول مهموم، إلى أين يسير الوضع لا ندري..
تم وضع الأغراض المهمة داخل العربة (توسان).. ويمضي الليل بوحشته ولم تصمت أصوات المدافع والذخيرة.. الله… الله… كنت أجول بفكري هنا وهناك.. هل ستعود أسرتي؟ هل ستعود ود مدني لحضن الوطن؟ الحمد لله.. فكان الوداع. أحشائي تتقطع من الداخل لكل ذاك الفراق المر… كل بات شيء غريباً.. مع السلامة، إن مدّ الله في العمر سنلتقي بحول الله تعالى..
وتمضي الأيام والشهور ثقيلة علينا، ونحن محاصرون في سجن فسيح، لا حرية ولا تعبير…. الفرن، الدكان، بعد أن تم القبض علينا معصوبي الأعين، مقيّدين بالسلاسل لمدة ثلاثة أيام بإحدى غرف مصنع الزجاج التابع لجامعة الجزيرة..
كل شيء ممنوع حتى السلاااام.. لقد كان سجناً بقوة السلاح، فقيدنا عن الحركة، حتى النظرة والسلام والضحك ممنوع.. إنها لوجوه عابسة حاقدة..
صبيحة الحادي عشر من يناير 2025م، الساعة الثالثة صباحاً، المحور الغربي، أصوات الذخيرة تقترب منا.. موقعنا حي ود المجذوب، مزرعة أبقار سليمان الفيل، مربع (313) غرب حتى ود المجذوب.. أحدهم يقترب منا لاهثاً:
والله يا جماعة قائد الغربي دا شغال فينا شغل شين، بس أبو لهب ضرب شديد.. لكن يظهر الحكاية ما حتكون عافية..
وآخرون يطالبون أبناء سليمان “على وعدي” بالخروج مع البقر نحو أم درمان مع دفع مبلغ كبير وإلا الموت.. الزمن يمضي ببطء.. والمعارك تشتد، والطيران الحربي يتدخل.. السيخوي بصوته المخيف يدخل المعركة خاطفاً النصر..
أنفاسنا تعلو ثم تهبط، وقد تكون توقفت أحياناً.. حياة ممزوجة بالخوف والفرح المكتوم… كل شيء تغيّر فجأة..
… عمي السنجك تعال شوف الشارع..
… وآخر: عمي السنجك ادخل بيتك، اقفلوا عليك، ما تطلع.. الناس ديل قالوا حيصفوك إنت والمعاك..
… هروب.. إنه الهروب الكبير.. المليشيا المتمردة تتراجع مسرعة، تاركةً من خلفها أمواتها وجرحاها والمتعاونين معها….
… مزرعة أسرة نزار عبادي، أكثر من عشرة عربات تحمل أسلحة ثقيلة، وعليها رجال يرتجفون خوفاً من ضربات الجيش..
عقارب الساعة تتوقف.. الصمت يعم أرجاء المكان.. الحذر سيد الموقف..
… وفجأة.. وعلى عجل وبسرعة جنونية تنطلق تلك العربات القتالية تاركة المكان، ويخلو الشارع (الطريق القومي الخرطوم – مدني) من الهاربين، لتهدأ الليلة، ليغطيها السكون إلا من بعض أصوات الرصاص المتقطع.. هناك.
اليوم الثاني من تحرير ولاية الجزيرة وود مدني..
نقف في انتظار قدوم طلائع القوات المسلحة.. لتبدأ عمليات التمشيط الواحدة ظهراً..
زغاريد الفرح ودموع الرجال تجسد حدثاً تاريخياً…. رجال قيادات سنار العسكرية تتقدم هنا.. مرحباً بكم.. ود المجذوب ترحب بكم بعد أن أزحتم عنا كابوساً جثم على صدورنا لأكثر من عام..
ها نحن الآن نحتفل بمرور عام على تحرير ولاية الجزيرة من قبضة الدعم السريع… الجيش السوداني استعاد السيطرة على ولاية الجزيرة بعد معارك شرسة استمرت لعدة أشهر.. لقد بدأ الجيش السوداني هجوماً على الدعم السريع من (3) محاور: المناقل (الغربي)، الفاو (الشرقي)، وقوات درع السودان، بعد أن تلقى دعماً عسكرياً من دول حليفة، واستخدم المسيّرات الاستراتيجية والمسيّرات التركية “بيرقدار”، وتمكن من السيطرة على مناطق حيوية مثل أم القرى، الشبارقة، وجسر حنتوب.
حيث إن ولاية الجزيرة تمثل محوراً استراتيجياً يربط وسط السودان بشرقه وغربه، فتحرير الجزيرة يساهم في استعادة مشروع الجزيرة وفتح الطرق التجارية الرئيسية، ويعزز الشرعية السياسية للدولة ويفتح المجال أمام عملية شاملة للاستقرار للمواطن السوداني..
.. ود مدني تستقبل أبطال التحرير في يوم مشهود.. نحن الآن نجتر الذكريات الأليمة المرة بطعم الحنظل، غير أنها حلوة بحلاوة النصر وانتصارات القوات المسلحة السودانية والمساندة والمستنفرين…
إنهم عادوا لوطنهم ولأهلهم بعد نزوح فُرض عليهم…
ولكل منهم حكاية وقصة مؤلمة مختلفة عن الآخر.. اكتبوا تلك للأجيال القادمة لترسموا لوحات نصر مستحق للجيش السوداني وشعبه.
(خِمّة نَفَس)
شعبٌ واحد.. جيشٌ واحد.


