الإعلام السوداني… هل من عطار ليُصلّح؟ أزمة المهنة وغياب الإصلاح المؤسسي

ليس سؤالاَ عابراً ولا عنواناً مُزخرفاً لعمودٍ صحفي بل هو وجع قديم يتجدّد مع كل أزمةً، وكل منعطف تمر به البلاد. فالإعلام السوداني، الذي كان يوماًمنبراً للرأي الرصين، ومرآةً لوجدان المجتمع، يبدو اليوم كمن أضناه الإهمال، وتكاثرت عليه الجراح، حتى صار السؤال: هل ما زال قابلاً للإصلاح أم أننا نرثيه مبكراً؟
المشكلة ليست في الكوادر وحدها، فالسودان زاخر بصحفيين مهنيين، وأقلام جريئةً، وعقول تعرف معنى الرسالة الإعلاميةً. الإشكال الحقيقي يكمن في البيئة التي يعمل فيها الإعلامي؛ بيئة تتنازعها الوصايةً،، وتُدار فيها المؤسسات بعقلية لا ترى في الإعلام سوى أداة ترويج أو ساحة تصفية حسابات.
غابت الرؤيةً، فاختلط الخبر بالرأيً، وتساوى التحليل مع الشائعةً، وضاعت المهنية بين استعجال النشر، وضعف التدريب، وشح الإمكانيات. زاد الطين بلةً إعلام منصات التواصل، الذي سبق المؤسسات بخطوات، لا لأنه أكثر مهنيةً، بل لأنه أكثر جرأةً وأسرع حضوراً، بينما ظل الإعلام التقليدي أسير مكاتبه ولوائحه القديمة.
ويتعقّد المشهد أكثر حين نضع أيدينا على واحدة من أخطر علل الإعلام السوداني اليوم؛ العمل عبر الشلليات. ففي ظل غياب المؤسسات الصحفية الحقيقيةً، وتوقّف المرتبات، وانعدام الضمان الوظيفي، تشكّلت مع كل وزارة ومؤسسة ما يشبه “الشِّلة الإعلامية” الخاصة بها تُدار بالولاء لا بالكفاءة، وبالقرب لا بالمهنية.
هذه الوضعية الهشة للصحفيين تقاطعت بشكل مباشر مع المبادئ المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي، فدفعت بعضهم ــ تحت ضغط الحاجةً والفراغ المؤسسيً ــ إلى ممارسات غير مقبولة وتحول الصحفي من ناقل للحقيقة إلى جزء من ماكينة تلميع أو تصفية حسابات. وهنا لم يعد الخلل فردياً، بل صار بنيوياً، تغذّيه الحاجة ويُبرّره غياب الدولة والمؤسسة والقانون.
هل من عطار ليصلّح؟
نعمً، لكن العطار هنا ليس فرداً ولا قراراً إدارياً عابراً.
العطار هو إرادة إصلاح حقيقيةً تبدأ بالاعتراف بالأزمةً، ثم بإعادة بناء المؤسسات الإعلامية على أسس مهنية مستقلةً، وتحصين الصحفي بالقانون لا بالولاءً، وتوفير التدريب المستمر، وفتح النوافذ للنقد المسؤول بدل الخوف منه.
الإعلام لا يُصلَح بالشعارات ولا بالبيانات ولا بتبديل الوجوه، بل بإعادة الاعتبار لدوره كسلطة رقابية وصوت للمواطنً، وشريك في بناء الوعي. دون ذلك، سيظل السؤال معلقاً وسيظل الإعلام السوداني يدور في حلقة مفرغةًة، بينما تمضي الأحداث من حوله أسرع مما يحتمل.
والسؤال باقٍ… هل نملك شجاعة العلاج أم نكتفي بتشخيص العلةً؟




