عثمان ابوزيد يكتب.. الإرهاب هو ما تقول أمريكا إنه إرهاب!

قال وزير الخارجية الأمريكية مايك روبيو عندما سئل: هل ستصنف أمريكا الدعم السريع منظمة إرهابية؟ “أنا أعلم أن شيوخًا في مجلس الشيوخ يسعون منذ بعض الوقت لإنجاز ذلك ولكن إذا كان ذلك سيحل الأزمة سندعمه”.
لا يبدو أن أمريكا جادة في هذا المسعى… نقول هذا على الرغم من تفاؤل البعض بأن ذلك ممكن الحدوث. سألت الأستاذ الدكتور خضر هارون سفير السودان الأسبق في الولايات المتحدة الأمريكية عن فهمه لحديث الوزير الأمريكي فقال لي: “إذا ما أجاز الكونقرس قرارًا بذلك ووصل إلى طاولة الرئيس سيوقع عليه ليصبح قانونا Act واجب النفاذ لا مجرد resolution غير ملزم”.
من جانبه أطلق مستشار رئيس الوزراء الأستاذ محمد محمد خير كلمة جازمة أن الأمريكيين ذاهبون إلى تصنيف الميليشيا منظمة إرهابية في ديسمبر، وأنه ـ أي المستشار ـ سوف يعتزل السياسة لو لم يحصل ذلك… أو كما قال.
قد يصدر ذلك بالفعل من الولايات المتحدة، ومجرد اعتبار المليشيا مليشيا إرهابية خطوة مهمة، لها تبعات قانونية وأخلاقية تلحق الضرر الكبير بها ولكن الدول الكبري وأمريكا لا تلتزم دائما. والدليل على ذلك أنها وقعت عقوبات على القوني شقيق حميدتي مرتين ومع ذلك فهو يتجول في واشنطن بعد مجزرة الفاشر.
وحدث بعد مجزرة الجنينة أن وصفت سفيرة أمريكا السابقة في الأمم المتحدة بأن ما حدث من قبل المليشيا يعد إبادة جماعية ولكن لم يترتب على ذلك شيء.
ليس جديدًا صدور مثل هذه العبارات من المسؤولين الأمريكيين، ففي يونيو ٢٠٢٣ عقب فظائع الجنينة قال ماثيو ميلر، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن “الولايات المتحدة تدين بأشد العبارات الانتهاكات والإساءات الجارية لحقوق الإنسان والعنف الرهيب في السودان، وبخاصة التقارير التي تحدثت عن ارتكاب عنف جنسي واسع النطاق وعمليات قتل على أساس عرقي في غرب دارفور من قبل قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها”.
وفي فبراير ٢٠٢٤ طرحت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين والجمهوريين مشروع قانون يصنف «أفعال قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في دارفور ضد المجتمعات العرقية غير العربية على أنها إبادة جماعية».
وقال المشروع في نصه إن مجلس الشيوخ «يدين الفظائع، بما فيها تلك التي تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية، التي ترتكبها قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ضد قبيلة المساليت وغيرها”.
ولا نعرف ما الذي صار إليه مصير ذلك المشروع الذي تضمن أيضا تحميل القوات المسلحة السودانية دورا في ارتكاب الفظائع والكوارث الإنسانية لعدم تحملها مسؤولية حماية المدنيين.
في الأيام الأولى للحرب كانت الوثائق التي تصدر عن الجهات الأمريكية حول انتهاكات الدعم السريع متحفظة في الغالب، وصارت أكثر صراحة في الأيام الأخيرة.
ونذكر أنه في السبت ٤ نوفمبر عندما هاجمت قوات الدعم السريع منطقة أردمتا في الجنينة، صدر أولا بيان شديد اللهجة من أمريكا يدين الجرائم الوحشية، وسرعان ما حذف ذلك البيان وأعيد نشره بلهجة مخففة بعد حذف فقرات منه
وفي ذلك الوقت كتبنا نقول: “لا يُنتظر من الإدارة الأمريكية أن تصف جهة بالإرهاب ما لم يكن ذلك يخدم سياستها”.
ألم يكن ما قامت به إسرائيل في غزة مع المدنيين إرهابا؟إ
ن أغرب تعريف للإرهاب هو ما رأيته في كتاب لجراهام فولر نائب رئيس مجلس الاستخبارات القومي يقول فيه: “الإرهاب هو ما تقول أمريكا إنه إرهاب”
الكتاب بعنوان: عالم بلا إسلام صدر عام ٢٠١٠ وجاء تحليل الكاتب منصفا ومنطقيا إذ ناقش مثلا كتاب “صدام الحضارات” وانتقده بشدة قائلا: “إن مؤلف الكتاب استخدم عبارة غير مناسبة عندما ذكر (حدود الإسلام الدامية). وأوضح فولر أن الإسلام خارج مكان ولادته في الشرق الأوسط تعامل وتفاعل مع أربع حضارات كبرى رئيسية عندما اتصل بها وأقام أشكالاً من التعايش السلمي وهي الحضارات التي كانت في روسيا، وأوروبا، والهند، والصين، وأن معظم القضايا الخاصة بـ (حدود الإسلام) هي ليست في الحقيقة حدودًا، ولكنها تمثل علاقات المسلمين داخل اتفاقات غير إسلامية خاصة عندما يكونون أقلية، إذ يطورون علاقات خلاقة في هذا المجال”
والمؤلف واضح وموضوعي حين يرجع سبب كراهية المسلمين وآخرين للغرب إلى ما قام به الغرب من غزو واستعمار، واستغلال المصادر، والعجرفة، وعدم احترام الثقافات غير الغربية، وأن الإدارة الأمريكية قد ولدت مزيدًا من المعاداة للولايات المتحدة.
إن التدخل المكثف من الغرب في شؤون دول الشرق الأوسط هو الذي صنع مشاعر العداء للولايات المتحدة في الشرق الأوسط كما يقول الكتاب.
واقترح المؤلف استراتيجية بأن على واشنطن أن تعمل كما لو أن الإسلام غير موجود في هذا العالم. ويختم بقوله إن الدين لم يكن يستطيع أن يفعل أسوأ مما فعلته قوى غير دينية من تطرف عنيف قتل الملايين في حربين عالميتين شارك فيها الفاشيون والنازيون والشيوعيون.




