حين تُقرأ “دارفور” بلسان عربي مبين

ريثما يستوعب العالم أن ما يحدث في دارفور ليس مجرد “اشتباكات حدودية” أو صراع على الموارد، تبرز الحقيقة العارية التي لا تسترها الدبلوماسية الناعمة: ثمة محاولة جراحية لاستئصال السودان من محيطه العربي، وذرع خنجر مسموم في خاصرته الغربية، بأدوات محلية وأجندات “عابرة للقارات”.
لم يعد سرّاً أن ما يجري في رمال دارفور الملتهبة اليوم يحمل بصمات “أطراف ثالثة” – إسرائيل وحليفاتها – ممن يجدون في تفتيت السودان فرصة تاريخية لإعادة رسم خرائط النفوذ في أفريقيا والسيطرة على البحر الأحمر بالوكالة. لكن، وفي هذه اللحظة الحرجة، جاء التناغم المصري السعودي ليعيد رسم الخطوط الحمراء، معلناً أن أمن الخرطوم هو العمق الاستراتيجي للرياض والقاهرة، وأن وحدة السودان “أمانة تاريخية” لا تقبل القسمة على أثنين.
إن الموقف المشترك بين “ضفتي النيل والحرمين” ليس مجرد بيان تضامن بروتوكولي، إنه تحرك في “غرفة العمليات” الدبلوماسية. القاهرة، التي ترى في استقرار السودان مسألة وجودية، والرياض، التي تدرك أن استباحة دارفور هي تمهيد لتهديد أمن المنطقة بأسرها، شكلتا معاً حائط صد منيعاً أمام مشروع “تقسيم المقسم”.
إن محاولة تحويل إقليم دارفور إلى “دولة داخل دولة” برعاية قوى دولية، وهو استنساخ لسيناريوهات الفوضى التي أحرقت عواصم عربية أخرى، هو ما ترفضه العاصمتان جملة وتفصيلاً، عبر التمسك بشرعية مؤسسات الدولة الوطنية ورفض منح أي غطاء سياسي للميليشيات المارقة.
التدخل الإسرائيلي وحلفاؤه في الإقليم لا يبحثون عن حقوق الإنسان كما يدّعون، بل يبحثون عن:
- عزل السودان بقطع تواصله الجغرافي والسياسي مع جيرانه العرب،
- بالإضافة لاستنزاف القوى الكبرى لإشغال مصر والسعودية بملفات استنزافية،
- كذلك، السيطرة الجيوسياسية بتحويل الإقليم إلى قاعدة نفوذ تخدم مشاريع التطويق الإقليمي.
ريثما يدرك المخططون أن الموقف العربي الموحد اليوم، الذي يرفض الاعتراف بشرعية أي كيان موازٍ للجيش السوداني، هو الاختبار الحقيقي لقدرة العرب على حماية حدودهم من “الاحتراق بالوكالة”. فالحلفاء الدوليون الذين يذرفون دموع التماسيح على مأساة النازحين، هم أنفسهم من يغضون الطرف عن تدفق السلاح الذي يحرق قراهم.
ختاماً، على القوى التي تحلم بتحويل السودان إلى “إقطاعيات ممزقة” أن تعيد حساباتها جيداً. فالتنسيق بين القاهرة والرياض “تجاوز مرحلة التشاور إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي”. ريثما يدرك هؤلاء أن الأرض لا تخون أصحابها، ستبقى دارفور قلباً نابضاً، وسيبقى السودان عصياً على الانكسار ما دام خلفه ظهير عربي يرى في وحدة ترابه معركة كرامة لا تراجع عنها.
فهل وصلت الرسالة لمن يهمه الأمر في تل أبيب وعواصم الحلفاء؟



