مشروع الجزيرة بين التعافي والتحول: هل يستعيد السودان مكانته الزراعية من بوابة التحديث والاستثمار؟
د. مجدي الزبير

في وقت تتطلع فيه البلاد إلى تجاوز آثار الحرب وإعادة بناء الاقتصاد الوطني، يبرز مشروع الجزيرة مجدداً باعتباره أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي والأمن الغذائي في السودان. وجاء المنتدى الشهري للموسم الزراعي 2026-2027 بقرية شلعوها الخوالدة ليكشف عن ملامح مرحلة جديدة عنوانها إعادة البناء والتحديث والتحول من الإدارة التقليدية إلى الزراعة الذكية.
لم يكن المنتدى مجرد لقاء إداري لمناقشة ترتيبات الموسم الزراعي، بل تحول إلى منصة وطنية لطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل أكبر مشروع مروي في أفريقيا، وحول قدرة السودان على تحويل موارده الزراعية الهائلة إلى قوة اقتصادية حقيقية.
إعادة الإعمار الزراعي.. معركة الاقتصاد القادمة
أظهرت النقاشات أن مشروع الجزيرة تجاوز مرحلة معالجة الأضرار المباشرة التي خلفتها الحرب، ودخل مرحلة إعادة التأسيس الشامل للبنية التحتية والإدارية والإنتاجية.
فبعد سنوات من التحديات والتراجع، تسعى الإدارة الحالية إلى بناء نموذج جديد يقوم على الكفاءة والإنتاجية والاستدامة، مستفيدة من الدعم الحكومي والتمويلات المعلنة وبرامج التأهيل واسعة النطاق.
إن نجاح المشروع في زراعة نحو 80% من المساحات المستهدفة خلال الموسم السابق، رغم الظروف الاستثنائية، يؤكد أن القطاع الزراعي السوداني ما زال يمتلك القدرة على الصمود واستعادة دوره الحيوي متى ما توفرت الإرادة والإدارة الرشيدة.
الري.. شريان الحياة للمشروع
أثبت المنتدى أن قضية الري ما زالت تمثل التحدي الأكبر أمام نجاح أي موسم زراعي. فالاستثمارات الضخمة التي وُجهت لصيانة القنوات والمنشآت المائية وتأهيل المصارف تعكس إدراكاً رسمياً بأن المياه هي أساس العملية الإنتاجية.
وتُعد المبالغ المخصصة لإعادة تأهيل شبكات الري مؤشراً واضحاً على حجم الاهتمام الحكومي بالمشروع، فكل جنيه يُنفق على الري يمثل استثماراً مباشراً في زيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي وتقليل فاتورة الاستيراد.
كما أن اعتماد الإدارة على غرف الطوارئ الميدانية واللامركزية في اتخاذ القرار يعكس تحولاً مهماً نحو إدارة أكثر مرونة وقرباً من المزارعين ومشكلات الحقول.
التمويل وحده لا يكفي
رغم أهمية التمويل، إلا أن المنتدى بعث برسالة واضحة مفادها أن النجاح الحقيقي للموسم الزراعي يعتمد على الالتزام بالمواقيت الزراعية والحزم التقنية.
فالتأخير في التحضير أو الزراعة يعني انخفاض الإنتاجية وارتفاع التكلفة وتراجع العائد الاقتصادي. ولذلك فإن معركة الموسم الحالي ليست معركة تمويل فقط، بل معركة إدارة زمن وكفاءة تنفيذ.
كما أن الارتفاع المستمر في أسعار الوقود ومدخلات الإنتاج يفرض تحديات إضافية تتطلب حلولاً مبتكرة وشراكات فاعلة بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية.
من الزراعة التقليدية إلى اقتصاد القيمة المضافة
أحد أهم التحولات التي برزت خلال المنتدى هو الانتقال من التفكير في إنتاج المحاصيل فقط إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة.
فلم يعد الهدف زراعة القطن أو الذرة أو فول الصويا فحسب، بل تحويل هذه المنتجات إلى صناعات ومشروعات استثمارية تخلق فرص عمل وتزيد العائد الاقتصادي وتدعم الصادرات الوطنية.
وهذا التحول يمثل نقلة نوعية في فلسفة إدارة المشروع، لأن الدول الحديثة لا تقيس نجاحها بحجم الإنتاج الزراعي وحده، وإنما بحجم القيمة المضافة التي تحققها من هذا الإنتاج.
التكنولوجيا الزراعية.. بوابة المستقبل
الرسالة الأكثر تفاؤلاً في المنتدى تمثلت في التوجه نحو إدخال التقنيات الحديثة في إدارة المشروع.
فاستخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة الرقمية للري والإنتاج، بجانب تحديث الميكنة الزراعية والاستفادة من الخبرات الدولية، يمثل خطوة مهمة نحو تحويل مشروع الجزيرة إلى منصة إنتاج ذكية تعتمد على البيانات والتقنيات الحديثة.
وفي عالم أصبحت فيه التكنولوجيا الزراعية عنصراً حاسماً في المنافسة العالمية، فإن نجاح هذا التحول قد يعيد للمشروع مكانته التاريخية ويجعله نموذجاً يحتذى به في المنطقة.
مشروع الجزيرة.. رهان السودان الاستراتيجي
ما خرج به منتدى شلعوها الخوالدة يؤكد أن مشروع الجزيرة لم يعد مجرد مشروع زراعي، بل أصبح مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الاقتصاد السوداني.
فنجاحه يعني تعزيز الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتحريك عجلة الصناعة والنقل والخدمات، بينما تعثره ينعكس على مجمل الاقتصاد الوطني.
إن السودان يمتلك الأرض والمياه والخبرات الزراعية، وما يحتاجه اليوم هو الاستمرار في الإصلاح والتحديث والتمويل الرشيد وحسن الإدارة.
ويبقى الأمل أن تتحول الخطط المعلنة إلى واقع ملموس في الحقول، وأن يستعيد مشروع الجزيرة مكانته كواحد من أعظم المشروعات الزراعية في أفريقيا والعالم العربي، وأن يكون نقطة الانطلاق الحقيقية نحو نهضة اقتصادية شاملة تعيد للسودان مكانته كـ”سلة غذاء” للمنطقة.



