مشروع الجزيرة: مؤسسة إقليمية فدرالية رؤية تفصيلية لإصلاح مشروع الجزيرة بوصفه منظومة زراعية، صناعية، إجتماعية متكاملة (1-2)
عاصم الطيب قرشي

مقدمة:
لم يعد من الكافي أن ننظر إلى مشروع الجزيرة باعتباره مجرد مشروع زراعي تاريخي أُنشئ لزراعة محصول أو محصولين رئيسيين، ثم يُراد له أن يعود كما كان.
ذلك التفكير، رغم نبل حنينه، يظل أسير الماضي أكثر من كونه صانعاً للمستقبل. إنّ ما نحتاجه اليوم كسودانيين بصفة عامة و مجتمع وسط بصفة خاصة ليس فقط إحياء مشروع الجزيرة، بل إعادة تعريفه. ليس كمزرعة ضخمة تديرها سلطة مركزية، بل كمؤسسة فدرالية منتجة يمكن أن تتحول إلى نموذج حضاري جديد لإدارة الأرض و الماء و الغذاء و الطاقة و العمل و الأُسرة و المجتمع بأَسره.
فإذا كان السودان قد تعرَّض خلال العقود الأخيرة إلى اختناقات
في الإقتصاد، البنية التحتية، النقل، الطاقة، الغذاء، الإستقرار الإجتماعي،
فإنّ مشروع الجزيرة إذا أُعيد التفكير فيه يملك القدرة على أن يصبح قلباً فدرالياً نابضاً، لا يضخّ القطن وحده، بل يضخّ الغذاء
الطاقة، الوظائف، الصناعات الريفية،
الإستقرار المجتمعي، والسيادة الإقتصادية.
بهذا، يمكننا القول أن النهضة المطلوبة ليست مجرد إصلاح زراعي، بل إعادة فك و تركيب لإقليم كامل على هيئة جسد حيّ متعدد الوظائف.
من “مشروع قومي” إلى “مؤسسة إقليمية فدرالية منتجة”
لماذا يجب تغيير الفلسفة نفسها؟
في الصيغ القديمة، كان مشروع الجزيرة يُفكَّر فيه باعتباره:
مؤسسة مركزية، تخضع لسياسات فوقية، تنتظر التمويل من العاصمة، وتدار من أعلى إلى أسفل.
لكن التجربة السودانية أثبتت أن المركز حين يبالغ في الإمساك بالمحيط، يخنقه بدل أن يديره.
ولذلك فإن المدخل الجديد يجب أن يكون فدرالي لا مركزي، بحيث يصبح مشروع الجزيرة:
إقليم تنموي ذا استقلال إداري و إقتصادي، يدير موارده، يطوّر إنتاجه، و يربط الزراعة بالطاقة والنقل والسكن والصناعة والمجتمع.
هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة عملية؛ لأن مشروع الجزيرة، بحجمه، و تنوع أرضه، وامتداد قراه، وبنيته المائية، لا يصلح له أن يُدار فقط بعقلية “إدارة محصول”، بل يحتاج إلى عقلية إدارة إقليم حيّ.
الرؤية الجديدة:
الرؤية الجديدة لمشروع الجزيرة يمكن تلخيصها في العبارة الآتية:
مشروع الجزيرة منظومة حياة و ليس فقط حقول زراعية: مشروع الجزيرة مؤسسة إقليمية فدرالية منتجة متعددة الوظائف، تقوم على الزراعة المتنوعة، توليد الطاقة النظيفة، التصنيع الريفي، النقل المائي، الإسكان المنتج، الإكتفاء الغذائي، و التكامل الاجتماعي
هذا يعني أن المشروع لا ينبغي أن يظل رهينا لثنائية: قطن / قمح أو
ري / حصاد. بل ينبغي أن يتحول إلى منظومة غذاء؛ منظومة طاقة؛
منظومة معيشة؛ منظومة استثمار؛
و منظومة استقرار أسري ومجتمعي.
إعادة بناء الخارطة الزراعية
و التركيبة المحصولية من الزراعة الأحادية و المحاصيل التقليدية إلى الزراعة العنقودية المتعددة.
إنّ أحد أخطر أسباب ضعف مشروع الجزيرة تاريخياً هو الإعتماد المفرط على الزراعة الأحادية أو شبه الأحادية.
هذا ما يجعل المشروع هشاً أمام
تقلبات الأسعار، تغيّر المناخ،
الآفات، السياسات الخاطئة.
لذلك، فإن مستقبل الجزيرة لا بد أن يقوم على التنوع الزراعي الإستراتيجي (محاصيل، غابات، بساتين، إنتاج حيواني). بالنسبة للغابات بالذات، يمكن زراعة أحزمة غابية حول الحواشات تزرع فيها الهشاب و القضيم كمنتجات نقدية عالية القيمة للتصدير و الاستهلاك المحلي. أما الإنتاج الحيواني، فيمكن التدرج فيه من إنتاج البيض و اللحوم البيضاء إلى الألبان و اللحوم الحمراء في مرحلة لاحقة.
إدخال محاصيل استراتيجية جديدة:
1. الزعفران في البيوت المحمية
الذهب الأحمر داخل الحواشات (سعر الكيلو بين 2000$ و 4000$ أو أكثر من ذلك، حسب الجودة).
يُعد الزعفران من أعلى المحاصيل النقدية قيمة في العالم، ويمكن أن يكون مدخلاً ذكيا لتحويل بعض أجزاء مشروع الجزيرة من مجرد مناطق إنتاج كمي إلى مناطق إنتاج نوعي عالي القيمة.
لماذا الزعفران؟
لأنه محصول مرتفع العائد، قليل المساحة مقارنة بالعائد، قابل للتسويق محلياً وعالمياً.
يمكن إنتاجه بصورة تجريبية في بيوت محمية مضبوطة المناخ.
كيف يُوظف في الجزيرة؟
إنشاء وحدات تجريبية للزعفران في البيوت المحمية؛ ربطه بمشروعات الأسر المنتجة؛ و
توظيفه في الصناعات الغذائية؛ الطب الشعبي، العطور، و التصدير.
بذا لا يكون الزعفران مجرد محصول، بل إقتصاد نخبوي صغير عالي الربحية داخل الإقتصاد الزراعي الكبير.
2. الجاتروفا لإنتاج زيت حيوي بديل للجازولين
الجزيرة لا تزرع الغذاء فقط… بل الطاقة أيضاً. نحن لا نعيش فقط أزمة غذاء، بل أيضا أزمة وقود وطاقة.
ولهذا فإن من الذكاء الاستراتيجي إدخال محاصيل الطاقة الحيوية ضمن رؤية الجزيرة الجديدة.
ومن أهمها نبات الجاتروفا، الذي يمكن استخدام بذوره لاستخلاص زيت قابل للتكرير ليصبح وقود حيوي.
لماذا الجاتروفا؟
لأنها تدخل في إنتاج الديزل الحيوي؛ يمكن أن تسهم في تقليل الإعتماد على الوقود المستورد
تفتح باب لصناعات جديدة في الريف؛ يمكن زراعتها في أطراف المشروع أو في أحزمة مخصصة.
أما الأثر المتوقع فيشمل تشغيل معاصر الزيوت و العصائر و المصافي الصغيرة؛ توفير وقود للآليات الزراعية؛ دعم الطاقة المحلية اليومية، إضافة لخلق قطاع إقتصادي إنتاجي جديد.
و هنا تصبح الجزيرة حقلاً للوقود الحيوي البديل بقدر ما هي حقل للغذاء.
3. زراعة البافرا أو الكسافة كبديل للقمح يعني إطعام الناس بما يلائم أرضهم لا بما يرهقها و يجهد التربة.
من الأخطاء التاريخية في السياسات الزراعية السودانية الإصرار على محاصيل تجهد الارض دون التفكير في بدائل غذائية محلية أكثر ملاءمة.
ومن هنا تأتي أهمية التفكير في البافرا/الكسافة (الكسافا) كمحصول استراتيجي بديل أو مكمل للقمح.
لماذا الكسافة؟
لأنها تتحمل ظروف بيئية مختلفة
مصدر ممتاز للنشا والطاقة الغذائية،
إذ تدخل في دقيق الخبز المخلوط،
الصناعات الغذائية، الأعلاف.
الرؤية المقترحة هي إدخال الكسافة ضمن برنامج الأمن الغذائي الفدرالي
و إنشاء مطاحن وتجفيف وتصنيع محلي. إنتاج دقيق الكسافة يعني إنتاج خبز مخلوط، منتجات غذائية مدرسية، أعلاف حيوانية.
و هذا يخفف الضغط عن القمح، و يمنح السودان سيادة غذائية أكثر تنوعاً.
4. التوت وإحياء إنتاج الحرير
حين تلبس الأرض ثوب الصناعة الناعمة.
من الأفكار العبقرية التي يمكن أن تُبعث في مشروع الجزيرة:
زراعة التوت وإحياء صناعة الحرير الطبيعي.
لماذا التوت؟
لأنه سهل التوظيف في الزراعة المختلطة؛ مفيد غذائياً؛ يوفّر قاعدة لتربية دودة القز.
ماذا يترتب على ذلك؟
إنتاج الحرير الطبيعي؛ إدخال النساء والشباب في سلاسل إنتاج جديدة؛ خلق صناعات
نسيجية حرفية تراثية للسوق المحلي و التصدير.
بهذا لن يكون المشروع مجرد مصدر للغذاء، بل يصبح أيضاً مهد لصناعة جمالية راقية.
5. إدخال فواكه اقتصادية ذات عائد مرتفع مثل الموز، التين، العنب… الزراعة التي تُؤكل وتُسوّق وتُصنّع، فلا ينبغي أن تظل الجزيرة رهينة للمحاصيل الحقلية وحدها، بل يجب إدخال أحزمة فاكهية منتجة داخل المنظومة الزراعية.
من أهم الفواكه المقترحة و المجربة:
الموز، الباباي، التين، العنب، الشمام،
البطيخ، الإستيفيا.
لماذا هذه الفواكه؟
لأنها تتيح التنوع الغذائي، التصنيع الغذائي، التجفيف والتعليب، التسويق المحلي والإقليمي.
ما الذي يمكن إنتاجه منها؟
عصائر، مربيات، سكر نبات من الإستيفيا، فواكه مجففة،
خلّ العنب، دبس التين، منتجات مدرسية وغذائية. إضافة لعمل مناحل لإنتاج عسل النحل.
هكذا يمكن أن ينتقل مشروع الجزيرة من اقتصاد الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة.نواصل


