ثم انزويتُ كغيري استخذاءً حين بانت الحقيقة!

لم أكن بمستثنىً من أولئك الذين استهجنوا -بكل ابتسار ومجانية- أسلوب الرجل في الكتابة؛ ووصفوه بالركيك؛ وحين بانت الحقيقة؛ انزوينا استحياءً..!
ما الذي سألبسه هل سأضع وردة بيضاء في شعر رأسي تلك الكعكات في *ليبتونز* Lipton’s أحب رأئحة دكان كبير يكون مليئا الرطل ب ٧،٥ بنسات او تلك الكعكات المزينة بحبات الكرز بالطبع شتلة جميلة لمنتصف الطاولة إنني أعشق الزهور وأحب أن يكون كل المكان يسبح في الورود يا إله السماوات ليس هناك شيء كالطبيعة الجبال المقفرة ثم البحر والأمواج تتدافع ثم الريف الجميل بالحقول المتنوعة بكل الأشياء والأبقار الجميلة تروح وتغدو في مراتعها أن ترى الأنهار والزهور شيء يسعد القلب..
لو قيل لك- يا رعاك الله- أن تقرأ هذا النص؛ وتبدي فيه رأياً فنياً؛ لما ترددت في وصف صاحبه بطالب مبتديء؛ طُلب منه كتابة موضوع في الإنشاء؛ فجاءك بما تفتق عنه ذهنه؛ او ربما وصفتَه بالكاتب الهاوي؛ الذي ما زال الطريق أمامه طويلا؛ حتى تلفت كتاباته؛ نظرَ من يقرأ له؛ إن حالفه الحظ ..
ولا يذهبن بك الظنون ايها القاريء للكريم؛ لتقول إن العيب في المترجم؛ الذي نقل هذا النص من الانجليزية..
كلا..
ولكي يطمئنَّ قلبَك وتبرّيءَ المترجمَ المفترى عليه؛ من عيوب تنسب له؛ اورد لك النصَّ الانجليزي؛ لتقارن بنفسك بين النصين:
What shall I wear shall I wear a white rose those cakes in Lipton’s I love the smell of a rich big shop at 7.5d a pound or the other ones with the cherries in them of course a nice plant for the middle of the table I love flowers Id love to have the whole place swimming in roses God of heavens theres nothing like nature the wild mountains then the sea and the waves rushing then the beautiful country with fields of all kinds of things and all the fine cattle going about that would do your heart good to see rivers and flowers..
هذه جزيئية من نص؛ كانت بين موضوعات طرحت للنقاش؛ في مجموعة واتساب تضم مترجمين عرب ومستشرقين..زينب عضوة في المجموعة؛ وهي سيدة خلاسية؛ ابوها مصري وأمها اسكتلندية وزوجها عماني..زينب طرحت هذه الجزيئية ذات مرة؛ وطلبت من الأعضاء ابداء الرأي حول النص والذي قالت عنه إنه مترجم من نص انجليزي..معظم اعضاء المجموعة-وأنا منهم- أبدوا استياءهم من ركاكة النص؛ وعدم تقيده بالقواعد النحوية او الترقيم..بل كان منهم مَن وصف فكرة طرح مثل هذا النص للترجمة؛ مؤشرا لهبوط مستوى عمل المجموعة!
ثم كانت الحقيقة..
النص يا رعاك الله؛ جاء في الحلقة الأخيرة من رواية مؤلفة من ثماني عشرة حلقة؛ كتبها واحد من أشهر روائيي القرن العشرين: جيمس جويس James Joyce وما ادراك ما جيمس جويس!
ابتدع جويس في هذه الرواية ما بات يعرف لاحقا بتيار الوعي stream of consciousness..وهو تقنية تهدف إلى تدفق الافكار والمشاعر والمراقبات التي تحدث في العقل البشري بدون مراقبة او قيود تعيق تدفقها ويتميز هذا الاسلوب بالسرد غير المنظم حيث تتدفق الأفكار والمشاعر والمراقبات بطريقة تختلف عن الطرق التقليدية المعروفة في السرد..
ففي النص الذي أقلق مضجعنا نجد *مولي* Molly في الرواية مضطجعة في الفراش ومن بين عدة أفكار تدور في رأسها نعرف أنها تخطط لإقامة حفلة موسيقية مسائية.
النص يأتي في الجزء الأخير من ثماني عشرة حلقة كل حلقة منها تتميز بأسلوبها وموضوعها الخاص؛ ولكنها معا؛ تشكل رواية متكاملة ومبتكرة؛ تستشكف حياة شخصياتها في *دبلن* في يوم واحد هو السادس عشر من يونيو ١٩٠٤..
تعتبر رواية عوليس Ulysses- وعوليس هو المقابل اللاتيني للاسم الاغريقي أوديسيوس Odysseus وهو قائد اغريقي في حروب طروادة- من الاعمال التي دار حولها جدل كثيف..
رواية عوليس ليس فيها حبكة قصصية حقيقية. فجويس في الرواية يتتبّع ثلاث شخصيات رئيسية هي ستيفن ديدالس وليوبولد بلوم وزوجته مولي Molly خلال يوم واحد في دبلن..نجد ان الشخصيات وبعض الأحداث في الرواية مرتبطة وموحية بقصص اغريقية اسطورية قديمة كما يشير إلى ذلك اسم الرواية عوليس..الرواية هازلة ومؤثرة وتهكمية ساخرة في معظمها؛ وبعض الأحداث فيها خيالية بشكل واضح بينما البعض الآخر منها واقعي تماما..
تدور أحداث الرواية حول يوم من حياة سمسار في مدينة دبلن هو ليوبولد بلوم؛ انطلاقا من ساعة يقظته في الثامنة صباحا الى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل..جويس يتتبّع خطوات الرجل في كل عمل يقدم عليه ويلاحق الخواطر التي تدور في ذهنه والنزوات التي تعتمل في قلبه وكل ما يصدر عنه او يفكر فيه من خير أو شر..ويتضح من سياق الرواية ان ليوبولد يمثل في صفحات الكتاب شخصية الانسان في المطلق؛ أسوة بعوليس في الأوديسة..وليس التشابه بين العملين مقتصرا على هذا الجانب وحده؛ بل إن جويس في كثير من مصنفاته يعمد الى قضايا مماثلة لما جاء في الأوديسة؛ فيبرزها في اطار عصري؛ مع المحافظة على البواعث النفسية الخفية؛ معتمدا على الرموز الموضحة لمواقفه…
العلاقة بين العقل والجسد من الامور التي اهتم بها جويس كثيرا في عمله؛ عندما يحاول أن يوضح الأفكار؛ وهي في طريقها إلى التشكل داخل عقول شخصياته..
والشاهد على ذلك المنولوج الداخلي
Ulterior monologue
كما جاء على لسان مولي وهي مضطجعة في سريرها..
فهذا النص الذي اعتبرناه؛ نحن معشر المترجمين؛ ركيكا ودون مستوى الذائقة الأدبية؛ هو ما تعتبره بعض مدارس النقد الحديث؛ المثال الاوضح لتيار الوعي من حيث تدفق الافكار وخلق التقارب بين شخصيات الرواية والقاريء؛ ذلك أننا نجد ان القاريء ينجذب إلى عالم الشخصية من الداخل واستكشاف النفس البشرية من خلال الغوص في تعقيدات العقل البشري؛ والكشف عن العمل الداخلي للأفكار والمشاعر والانفعالات.
اسلوب تيار الوعي الذي ابتدره جويس في هذه الرواية اثر في مبدعين كثر منهم فيرجينيا وولف وويليام فولكنر ومارسيل بروست..
وبقي ان تعرف أيها القاريء الكريم أن رواية عوليس كانت قد حظرت من التداول في بريطانيا وأمريكا وآيرلندا لفترة طويلة؛ بسبب أسلوبها الركيك (بل ذهب بعضهم إلى أن اجزاء من الرواية لم يكتبها المؤلف وإنما قامت بالعمل سكرتيرته التي كان يملي عليها بسبب ضعف في نظره) وعدم مراعاتها لقواعد اللغة وفوق هذا وذاك الايحاءات الجنسية؛ كما كانت تدور في رأس الزوجة مولي؛ وهي تخطط لحفلها الموسيقي..مولي زوجة تتمنى ان يقترب منها زوجها عاطفيا بوجه أكبر؛ وفي ذلك تقول ما يدور في رأسها من افكار دون قيود، الأمر الذي اعتبره بعض نقاد ذلك العصر خادشا للحياء !
رواية عوليس موجودة في الشبكة العنكبوتية لمن اراد أن يقرأها…
تحياتي؛
-الزاكي عبد الحميد أحمد-




